محمد بن محمد بن هبة الله الحسيني الأفطسي
248
المجموع اللفيف
بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين ، وصلى اللّه على نبيه محمد وآله الطيبين ، صلاة دائمة إلى يوم الدين ، أما بعد ، أعاذك اللّه من سلطان الهوى ، وأشعر قلبك عز التقوى ، وجنّبك موارد الزّيغ والزلل ، وألهمك الإنصاف في القول والعمل ، وعمر بك مواسم الأدب ، ودفع عنك محاذر النّوب ، وثلج ببرد اليقين صدرك ، ورفع في درج المتقين ذكرك ، وكان غير هذا الخطاب أولى بك وأدعى إلى استمالة سمعك ، ولكني أستحسن مبادي رقاع أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ ، وكتبه مفاتيح رسائله وخطبه ، وأسلك أن يحملني على ذلك الأسلوب ، وتعلم أني من المقدرين به ، والآخذين عنه ، والمنقطعين إليه ، فان أصبت فمنه ، وإن أخطأت فعليه ، فاني كنت أرى أصحابنا من كتّاب أذربيجان في منصرفي من العراق ، يرون البلاغة هذرا ، والإسهاب خرقا ، والإطالة ملقا ، والفصاحة هجنة ، والذلاقة وصمة ، والسلاطة نقيصة ، والبيان رعونة ، والغيّ فضلا ، والحصر عقلا ، حتى أنار بك دجاها ، ودارت عليك رحاها ، وانجاب برأيك ظلامها ، وأشرقت بايحائك أيّامها ، وطلعت شمس الفضائل بعد أن طال أفولها ، ولاحت غرر المناقب وحجولها ، وورت زنود المعالي والرتب ، وكبت جدود المخازي والريب ، واحتجنا أن نطلق المقاول من عقالها ، ونرسل الخواطر عن [ 89 و ] كلالها ، ونجيد سهام المجادلة ، ونرهف شباة المساجلة ، ونعود إلى عادة اللّسن ، وننتهي عن دناءة اللّكن ، ونقول للقرائح استيقظي ، فقد طال رقادك ، وللجوارح هبّي فقد ساء اعتيادك ، فهنيئا لدهر لا تغفر ذنوبه إلا بك ، ولا توهب حرائره إلا لك ، ولا تصدر محاسنه إلا عنك ، ولا تنسب مآثره إلا إليك ، لا تعرف له حسنة سواك ، ولا تنشر عنه منقبة غيرك . فقد حدثني [ 1 ] على إملاء هذه الرسالة في إيجاب الحجة ، وإيضاح المحجّة أمور أوّلها : أنّي منذ عرفتك قبل أن أيفعت وإلى حين الاكتهال ، ومنذ لدن نشأت إلى حد الاكمال ، والعلم غايتك التي إليها تجري ، وغرضك
--> [ 1 ] كذا بالأصل ، ولعلها ( حثّني ) .